ابن قيم الجوزية
127
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ولا توجب هذه الزلّة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه ، وإساءة الظن به . فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل . وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم ، صلوات اللّه وسلامه عليه . والكامل من عدّ خطؤه ، ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك ، والمعترك الصعب ، الذي زلّت فيه أقدام ، وضلت فيه أفهام ، وافترقت بالسالكين فيه الطرقات . وأشرفوا - إلا أقلهم - على أودية الهلكات . وكيف لا ؟ وهو البحر الذي تجري سفينة راكبه في موج كالجبال ، والمعترك الذي تضاءلت لشهوده شجاعة الأبطال ، وتحيرت فيه عقول ألبّاء الرجال . ووصلت الخليقة إلى ساحله يبغون ركوبه . فمنهم : من وقف مطرقا دهشا ، لا يستطيع أن يملأ منه عينه ، ولا ينقل عن موقفه قدمه . قد امتلأ قلبه بعظمة ما شاهد منه . فقال : الوقوف على الساحل أسلم . وليس بلبيب من خاطر بنفسه . ومنهم : من رجع على عقبيه ، لما سمع هديره ، وصوت أمواجه ، ولم يطق نظرا إليه . ومنهم : من رمى بنفسه في لججه ، تخفضه موجة ، وترفعه أخرى . فهؤلاء الثلاثة على خطر . إذ الواقف على الساحل عرضة لوصول الماء تحت قدميه . والهارب - ولو جدّ في الهرب - فما له مصير إلا إليه ، والمخاطر ناظر إلى الغرقى كلّ ساعة بعينيه ، وما نجا من الخلق إلا الصنف الرابع . وهم الذين انتظروا موافاة سفينة الأمر . فلما قربت منهم ناداهم الرّبّان ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [ هود : 41 ] فهي سفينة نوح حقا . وسفينة من بعده من الرسل . من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق . فركبوا سفينة الأمر بالقدر . تجري بهم في تصاريف أمواجه على حكم التسليم لمن بيده التصرف في البحار ، فلم يك إلا غفوة ، حتى قيل لأرض الدنيا وسمائها : يا أرض ابلعي ماءك ، ويا سماء أقلعي ، وغيض الماء ، وقضي الأمر . واستوت على جودي دار القرار . والمتخلفون عن السفينة - كقوم نوح - أغرقوا . ثم أحرقوا . ونودي عليهم على رؤوس العالمين وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ هود : 44 ] وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [ الزّخرف : 76 ] ثم نودي بلسان الشرع والقدر ، تحقيقا لتوحيده . وإثباتا لحجته . وهو أعدل العادلين قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] . ركوب سفينة القدر وراكب هذا البحر في سفينة الأمر ، وظيفته : مصادمة أمواج القدر ، ومعارضتها بعضها ببعض ، وإلا هلك . فيرد القدر بالقدر ، وهذا سير أرباب العزائم من العارفين . وهو معنى قول الشيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلاني « الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا ، إلا أنا . فانفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق ، والرجل من يكون منازعا للقدر ، لا من يكون مستسلما مع القدر » ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض فكيف في معادهم ؟ واللّه تعالى أمر أن تدفع السيئة - وهي من قدره - بالحسنة - وهي من قدره - وكذلك الجوع